العيني

208

عمدة القاري

فعله أبو ذر كان خلاف المألوف . قوله : ( ساببت رجلاً ) قال النووي : وسياق الحديث يشعر أن المسبوب كان عبدا ، وقال صاحب ( منهج الراغبين ) والذي نعرفه أنه بلال ، رضي الله عنه ، وعن هذا أخذ بعضهم ، فقال : وقيل : إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن ، مولى أبي بكر ، رضي الله عنه ، روى ذلك الوليد بن مسلم منقطعا . فإن قلت : لم قال : ساببت ، من باب المفاعلة ؟ قلت : ليدل على أن السب كان من الجهتين ، ويدل عليه ما في رواية مسلم : ( قال : أعيرته بأمه ؟ فقلت : من سب الرجال سبوا أباه وأمه ) . فإن قلت : كيف جوز أبو ذر ذلك وهو حرام ؟ . قلت : الظاهر أن هذا كان منه قبل أن يعرف تحريمه ، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده ، فلذلك قال له صلى الله عليه وسلم : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) فإن قلت : ما كان تعييره بأمه ؟ قلت : عيره بسواد أمه ، على ما جاء في رواية أخرى : قلت له يا ابن السوداء وفي روايته في الأدب : وكانت أمة أعجمية فنلت منها ، والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي سواء كان عربيا أو عجميا . قوله : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) فيه ترك العاطف بين الجملتين لكمال الاتصال بينهما . فنزلت الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع اختلاف في اللفظ ، ومن هذا القبيل قوله تعالى : * ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) * ( البقرة : 1 و 2 ) قوله : ( إخوانكم خولكم ) فيه حصر ، وذلك لأن أصل الكلام أن يقال : خولكم إخوانكم لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة ، ولكن لما قصد حصر الخول على الإخوان ، قدم الإخوان ، أي : ليسوا إلاَّ إخوانا ، وإنما قدم الإخوان لأجل الاهتمام ببيان الأخوة ، ويجوز أن يكون من باب القلب المورث لملاحة الكلام ، نحو قوله : * نم وإن لم أنم كراي كراكا * شاهدي الدمع إن ذاك كذاكا * وقال بعض المعانيين : إن المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين ، أي تعريف كان يفيد التركيب الحصر ، وقال التيمي : كأنه قال : هم إخوانكم ، ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال : خولكم . قوله : ( تحت أيديكم ) فيه مجاز عن القدرة أو عن الملك ، والأخوة أيضا مجاز عن مطلق القرابة ، لأن الكل أولاد آدم ، عليه السلام ، أو عن أخوة الإسلام ، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين لمماليك المؤمنين ، أو نخصص هذا الحكم بالمؤمنة . قوله : ( فليطعمه مما يأكل ) من الإطعام ، إنما قال : مما يأكل ، ولم يقل مما يطعم ، رعاية للمطابقة كما في قوله : ( وليلبسه مما يلبس ) ، لأن الطعم يجيء بمعنى الذوق يقال : طعم يطعم طعما إذا ذاق أو أكل . قال الله تعالى : * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ( البقرة : 249 ) أي : من لم يذقه ، فلو قال : مما يطعم لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق ، وذلك غير واجب . فإن قيل : لم لم يقل فليؤكله مما يأكل ؟ قلت : إنما قال : فليطعمه ، إشارة إلى أنه لا بد من إذاقته مما يأكل ، وإن لم يشبعه من ذلك الأكل . قوله : ( فإن كلفتموهم ) ، فيه حذف المفعول الثاني للاكتفاء ، إذ أصله : فإن كلفتموهم ما يغلبهم . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم ، والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم ، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه ، وخاصة نفسه . كما نهى عن الفخر بالآباء ، ويلحق بالعبد من في معناه من أجير وخادم وضعيف ، وكذا الدواب ، ينبغي أن يحسن إليها ولا يكلف من العمل ما لا تطيق الدواب عليه ، فإن كلفه ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره . الثاني : عدم الترفع على المسلم وإن كان عبدا ونحوه من الضعفة ، لأن الله تعالى قال : * ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( الحجرات : 13 ) وقد تظاهرت الأدلة على الأمر باللطف بالضعفة ، وخفض الجناح لهم ، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم . الثالث : استحباب الإطعام مما يأكل والإلباس مما يلبس . وقال القاضي عياض : الأمر محمول على الاستحباب لا على الإيجاب بالاجماع ، بل إن أطعمه من الخبز وما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكل ، لأن : من ، للتبعيض ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل على العموم من الأدم وطيبات العيش ، ومع ذلك فيستحب أن لا يستأثر على عياله ، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم . الرابع : فيه منع تكليفه من العمل ما لا يطيق أصلاً ، لا يطيق الدوام عليه ، لأن النهي للتحريم بلا خلاف ، فإن كلفه ذلك أعانه بنفسه أو بغيره . لقوله : ( فإن كلفتموهم فأعينوهم ) . وجاء في رواية مسلم : ( فليبعه ) موضع : ( فليعنه ) . قال القاضي : هذا وهم ، والصواب : ( فليعنه ) ، كما رواه الجمهور . الخامس : فيه المحافظة على